حركة الشباب الصومالية تزحف نحو العاصمة.. هل يمكن إيقافها؟

تتزايد التساؤلات في واشنطن بشأن جدوى استمرار الوجود الأمريكي في الصومال، بعد أن حققت حركة الشباب الصومالية تقدمًا ميدانيًا في مناطق وسط وجنوب البلاد خلال الأشهر الأخيرة.

هذا التقدم أعاد للأذهان مشاهد الانسحاب الأمريكي المتعجل من أفغانستان في 2021، وأثار نقاشًا داخل وزارة الخارجية الأمريكية عن احتمالية إغلاق السفارة في مقديشو وسحب أغلب طاقمها، وفق تحليل لمجلة “ريسبنسبول ستيت كرافت” الأمريكية، نشرته الأربعاء 23 أبريل 2025، والذي يُحاول الإجابة عن العديد من الأسئلة، بما في ذلك سبب عدم القضاء على حركة الشباب.

يرى التحليل أن ما يحدث في الصومال لا يمكن اختزاله في المقارنة مع أفغانستان، لا من حيث حجم الانخراط العسكري الأمريكي، ولا من حيث السياق المحلي والدولي المحيط، ورغم مرور نحو عقدين على بدء التدخل العسكري الأمربكي ضد حركة الشباب الصومالية، لم تتمكن واشنطن من القضاء عليها.

كما لم تُنجز مشروع “بناء الدولة” الذي كان يُفترض أن يكون رديفًا للعمل العسكري، وعلى عكس الوجود العسكري الكثيف في أفغانستان، لم يتجاوز عدد القوات الأمريكية في الصومال 600 جندي، وتعتمد واشنطن بشكل أساسي على قوات محلية، أبرزها وحدة “دنب” الخاصة، التي تم تدريبها وتجهيزها بتمويل أمريكي، ويقدر عدد أفرادها بين 3 آلاف إلى 5 آلاف عنصر.

وشاركت الولايات المتحدة في دعم بعثة الاتحاد الإفريقي التي ضمت في ذروتها 22 ألف جندي، إلا أن هذا الدعم بدأ يتقلص مؤخرًا، مما يثير مخاوف بشأن مستقبل الجهود الأمنية في البلاد، ومع ذلك، فإن هذا التراجع الأمريكي لا يعني فراغًا، فهناك لاعبون إقليميون ودوليون يملؤون المشهد، وعلى رأسهم تركيا، بحسب التحليل.

باتت أنقرة الشريك الأمني الأبرز لمقديشو في السنوات الأخيرة؛ ونجد أن تركيا تمتلك أكبر سفارة لها في العالم داخل العاصمة الصومالية، إضافة إلى قاعدة “توركسوم” لتدريب القوات الصومالية، التي تُخرج بشكل دوري دفعات من وحدة “غورغور” القتالية.

وقد أصبحت هذه الوحدة، إلى جانب “دنب”، من أكثر القوات فاعلية في مواجهة حركة الشباب الصومالية، وزار رئيس الصومال حسن شيخ محمود العاصمة التركية أنقرة مرتين منذ بداية العام.

ووقع الرئيس الصومالي اتفاقيات أمنية جديدة يُعتقد أنها تتيح مشاركة قوات أمن تركية خاصة في العمليات القتالية المباشرة ضد حركة الشباب، ما يشير إلى تصاعد الدور التركي في الملف الأمني الصومالي، على حساب الحضور الأمريكي.

في ظل هذا المشهد المُعقد، تنقسم آراء المسؤولين في واشنطن بين خيارين، إما تقليص الوجود الدبلوماسي والعسكري خوفًا من تكرار سيناريو أفغانستان، أو تصعيد حملة الطائرات المسيّرة ضد مواقع الحركة، لكن السؤال الحقيقي الذي يغيب عن النقاش هو: لماذا استعصت حركة الشباب على الهزيمة رغم عقدين من الغارات والدعم العسكري؟

وفق التحليل، فإن الإجابة تكمن في الإخفاق السياسي “المزمن”، فمنذ عام 2009، دعمت القوى الغربية عملية “بناء الدولة” في الصومال، إلا أن النتيجة كانت إنشاء نظام سياسي هش، قائم على الولاءات القبلية، ويعتمد بشكل شبه كلي على المساعدات الخارجية.

ولم تنجح هذه العملية في تأسيس مؤسسات حقيقية قادرة على خدمة المواطنين أو تحقيق شرعية داخلية، وظلّت النخب الصومالية منشغلة بتقاسم المنافع والعقود، بعيدًا عن هموم الشعب اليومية.

500 جندي في قلب الخطر.png 1

تكتيكات حركة الشباب الصومالية

في المقابل، يرى التحليل أن حركة الشباب الصومالية أظهرت قدرة عالية على التأقلم، ورغم العنف الدموي الذي تمارسه، نجحت الحركة في تطوير أدوات تواصل فعالة مع المجتمع المحلي، أبرزها استخدام الشعر الصومالي التقليدي في حملاتها الإعلامية.

ومؤخرًا، غيّرت الحركة من أساليبها، وقلّصت عملياتها التفجيرية العشوائية، وبدأت في إرسال رسائل “مصالحة” للمجتمعات المحلية، عارضةً العفو عن الجنود المنشقين، وعدم الانتقام من المتعاونين السابقين مع الحكومة، بشرط عدم تقديم الدعم لها.

هذه التعديلات في الخطاب والسلوك تكشف عن قدرة الحركة على قراءة المزاج المحلي وتوظيفه لصالحها، خاصة في ظل غياب الثقة بالحكومة المركزية، وغياب الخدمات الأساسية في العديد من المناطق.

يخلص التحليل، في ظل ما سلف من معطيات، إلى أن النقاش الدائر في واشنطن بشأن إغلاق السفارة الأمريكية في مقديشو ليس سوى قشرة تخفي إخفاقًا أعمق في فهم طبيعة الأزمة الصومالية.

ولا يمكن القضاء على حركة الشباب الصومالية من الجو فقط، ولا عبر وكلاء محليين مدعومين خارجيًا دون قاعدة شعبية حقيقية.

والمطلوب، وفق التحليل، هو إعادة تقييم شاملة للنهج القائم، والاعتراف بأن الحل في الصومال يجب أن يكون سياسيًا بالدرجة الأولى، يبدأ ببناء مؤسسات شرعية، وإنهاء نمط “الدولة الورقية” القائمة على الاعتماد الدائم على الخارج، من دون ذلك، ستظل حركة الشباب الصومالية قادرة على التمدد، مهما تكررت الغارات أو تبدلت الشراكات.

المصدر: موقع رؤية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *